على مدار السنوات الماضية شكّلت المساعدات الإنسانية طوق نجاة لملايين البشر في مناطق النزاع والأزمات، وكانت غزة واحدة من أكثر المناطق اعتمادًا على هذا النوع من الدعم. الغذاء والدواء والمأوى والمساعدات النقدية شكّلت أساسًا للبقاء في ظل ظروف قاسية ومعقّدة. لكن مع استمرار الأزمات وتكرارها وتحوّلها من طارئة إلى مزمنة، بدأت الأسئلة تفرض نفسها بقوة: هل لا تزال المساعدات وحدها كافية؟ وهل يمكن الاستمرار في الاعتماد عليها كحل رئيسي لمواجهة الأزمات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية؟
الواقع اليوم يشير بوضوح إلى أن المساعدات، رغم أهميتها القصوى، لم تعد وحدها قادرة على معالجة جذور الأزمات أو ضمان حياة كريمة ومستقرة للناس، بل أصبحت جزءًا من حل مؤقت لا يكتمل دون مسارات أخرى مكمّلة.
المساعدات الإنسانية: ضرورة لا غنى عنها
لا يمكن إنكار الدور الحيوي الذي تلعبه المساعدات الإنسانية، خصوصًا في أوقات الطوارئ والحروب والكوارث. فهي تلبّي الاحتياجات الأساسية العاجلة، وتحمي الأرواح، وتخفف من حدة الجوع والمرض والتشرد. في أماكن مثل غزة، ساهمت المساعدات في منع انهيار كامل للنظام المعيشي، وساعدت آلاف الأسر على الصمود في وجه ظروف تفوق طاقتهم.
لكن هذه الضرورة لا تعني أن المساعدات كافية بذاتها، بل إنها صُممت أساسًا لتكون تدخلًا مؤقتًا، لا حلًا دائمًا لأزمات طويلة الأمد.
تحوّل الأزمات من طارئة إلى مزمنة
أحد أهم الأسباب التي جعلت المساعدات غير كافية هو تغيّر طبيعة الأزمات نفسها. ما كان يُفترض أن يكون طارئًا ومؤقتًا أصبح واقعًا دائمًا. الحصار، الفقر، البطالة، ضعف البنية التحتية، والانهيار الاقتصادي لم تعد أحداثًا عابرة، بل تحوّلت إلى نمط حياة يومي.
في هذا السياق، تصبح المساعدات أشبه بمسكنات مؤقتة، تخفف الألم لكنها لا تعالج المرض. الأسرة التي تتلقى سلة غذائية كل شهر تبقى بلا مصدر دخل، والشاب الذي يحصل على مساعدة نقدية مؤقتة يبقى بلا فرصة عمل حقيقية، والمريض الذي يتلقى علاجًا طارئًا يظل في نظام صحي هش.
الاعتماد المتزايد وفقدان الاستقلالية
من أخطر آثار الاعتماد الطويل على المساعدات هو تآكل القدرة على الاعتماد الذاتي. حين تصبح المساعدة المصدر الأساسي للبقاء، تتراجع فرص المبادرة والعمل والإنتاج، ليس بسبب ضعف الإرادة، بل بسبب انسداد الأفق وغياب البدائل.
هذا الواقع يولّد شعورًا بالعجز والإحباط، خصوصًا لدى الشباب، ويؤثر على النسيج الاجتماعي، حيث تتحول المساعدات من أداة دعم إلى عامل ضغط نفسي واجتماعي، يربط كرامة الإنسان بموعد المساعدة ونوعها واستمراريتها.
فجوة بين الاحتياج والموارد
مع اتساع رقعة الأزمات، لم تعد الموارد الإنسانية تواكب حجم الاحتياج. عدد المحتاجين في ازدياد مستمر، في حين تواجه المؤسسات الإنسانية تحديات تمويلية ولوجستية وسياسية متزايدة. النتيجة هي فجوة واضحة بين ما هو مطلوب وما هو متاح.
هذه الفجوة تؤدي إلى تقليص المساعدات، أو استهداف فئات دون أخرى، أو تحويل الدعم إلى فترات متقطعة، ما يجعل الأسر في حالة عدم استقرار دائم، ويضعف الأثر الحقيقي للمساعدات على المدى الطويل.
غياب الحلول التنموية المستدامة
المساعدات الإنسانية تركز بطبيعتها على الاستجابة السريعة، لكنها لا تعالج جذور المشكلة مثل البطالة، ضعف التعليم، غياب فرص العمل، وانهيار الاقتصاد المحلي. بدون برامج تنموية مرافقة، يبقى المجتمع عالقًا في دائرة الاحتياج.
التنمية لا تعني فقط توفير المال، بل تعني بناء قدرات، خلق فرص، دعم المشاريع الصغيرة، تمكين النساء والشباب، وتعزيز التعليم والتدريب المهني. بدون هذه العناصر، تظل المساعدات عاجزة عن إحداث تغيير حقيقي ومستدام.
الأثر النفسي والاجتماعي طويل الأمد
الأزمات المستمرة، حتى مع وجود المساعدات، تترك أثرًا نفسيًا عميقًا على الأفراد والمجتمعات. القلق الدائم، فقدان الأمان، الإحساس بعدم الاستقرار، كلها عوامل لا تعالجها سلة غذائية أو مساعدة نقدية.
الأطفال الذين يكبرون في بيئة تعتمد كليًا على المساعدات يواجهون تحديات في بناء طموحاتهم وثقتهم بالمستقبل. والنساء اللواتي يتحملن عبء الأسرة في ظل الفقر والحصار يحتجن إلى أكثر من دعم مادي، يحتجن إلى حماية وتمكين ودعم نفسي واجتماعي حقيقي.
من الإغاثة إلى التمكين
الحل لا يكمن في إيقاف المساعدات، بل في إعادة تعريف دورها. يجب أن تكون المساعدات نقطة انطلاق نحو التمكين، لا محطة نهائية. المطلوب هو دمج الإغاثة مع برامج تنموية، تفتح آفاقًا جديدة للأفراد وتعيد لهم القدرة على الإنتاج والاعتماد على الذات.
عندما تُربط المساعدات بفرص تدريب، أو دعم مشاريع صغيرة، أو برامج تشغيل مؤقتة تتحول تدريجيًا إلى فرص دائمة، يصبح الدعم أكثر فاعلية وأثرًا.
دور المجتمع المحلي والمبادرات المجتمعية
لا يمكن تجاهل الدور المتزايد للمبادرات المجتمعية في سد الفجوات التي تعجز المساعدات التقليدية عن تغطيتها. المبادرات المحلية تمتلك فهمًا أعمق للاحتياجات الحقيقية، وتعمل بمرونة أكبر، وتستطيع الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة بطرق أكثر إنسانية.
تعزيز هذه المبادرات، ودعمها، وإشراك المجتمع المحلي في صنع الحلول، يشكّل عنصرًا أساسيًا في مواجهة الأزمات بشكل مستدام.
رؤية مستقبلية: ما الذي نحتاجه فعلاً؟
ما نحتاجه اليوم هو مقاربة شاملة تتجاوز منطق المساعدة المؤقتة، نحو رؤية متكاملة تضع الإنسان في مركز الحل. رؤية تجمع بين الإغاثة والتنمية والحماية والدعم النفسي والاجتماعي، وتؤمن بأن الكرامة الإنسانية لا تُختصر في طرد غذائي أو مبلغ مالي.
الأزمات المعقّدة تتطلب حلولًا معقّدة، والمساعدات وحدها، مهما كانت مهمة، لن تكون كافية ما لم تُستكمل بإرادة حقيقية للتغيير وبناء مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا.
خاتمة
المساعدات الإنسانية ستبقى ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، خاصة في ظل الأزمات المتواصلة، لكنها لم تعد الحل الوحيد ولا الكافي. المستقبل يتطلب انتقالًا واعيًا من ثقافة الإغاثة إلى ثقافة التمكين، ومن الاستجابة المؤقتة إلى الحلول المستدامة. فقط عندها يمكن للأفراد والمجتمعات أن ينتقلوا من مرحلة البقاء إلى مرحلة الحياة الكريمة.
